الشيخ محمد رشيد رضا

336

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الهداية منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف أنشأنا نأخذ عن تلك الأمم ما أنشأت هي تقاومه وتذمه ، حتى أن السكر قد غلب في رؤساء دنيانا ، والميسر قد انتشر في أمرائنا وكبرائنا ، ثم فشا فيمن دونهم تقليدا لهم . نبه الأستاذ الامام لهذه العبرة وقال انظروا إلى من أنعم اللّه عليهم بهذه النعمة كيف صاروا يكفرونها ، وكيف حل بهم غضب اللّه تعالى فسلبوا معظم ما وهبوا ، ويخشى أن يمتد ذلك حتى يعز تداركه والعياذ باللّه تعالى قال تعالى وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ - قال السيوطي في كتاب أسباب النزول : أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ان نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل اللّه أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا انا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا في أموالنا فما ننفق منها ؟ فأنزل اللّه ( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) . واخرج أيضا عن يحيى انه بلغه ان معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالا يا رسول اللّه ان لنا أرقاء واهلين فما ننفق من أموالنا ؟ فانزل اللّه هذه الآية . وليس المعنى أن السؤال الأول عن الخمر والميسر نزل وحده ثم نزل هذا السؤال بعده ، بل المراد أن هذه الأسئلة كانت مما يقع من الصحابة فأنزل اللّه هذه الآيات بيانا لهذه الأحكام وإجابة للسائلين عندما استعدوا للاخذ بها ، وما ورد يدل على أن المراد أي جزء من أموالهم ينفقون ، وأي جزء منها يمسكون ، ليكونوا ممتثلين لقوله « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » ومتحققين بقوله « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » * وما في معنى ذلك من الآيات التي تنطق بأن الانفاق في سبيل اللّه من آيات الايمان وشعبه اللازمة له على الاطلاق ، الذي يشعر أن على المؤمن أن ينفق كل ما يملك في سبيل اللّه . وقد قضت الحكمة بهذا الاطلاق في أول الاسلام وبمدح الايثار على النفس لان المسلمين كانوا فئة قليلة في أمم وشعوب وقبائل تناصبهم العداوة وتبذل في ذلك الأموال والأرواح ، فإذا لم يتحدوا حتى يكونوا كشخص واحد ، ويبذل كل واحد ما بيده لمصلحتهم العامة ، لا تستقيم لهم حال ولا تقوم لهم قائمة ، وهذه هي السنة العامة في كل دين عند ابتداء ظهوره